ابن عجيبة
513
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والحاصل : أن الحق جل جلاله كان في سابق أزله ذاتا مقدسة ، لطيفة خفية عن العقول ، نورانية متصفة بصفات الكمال ، ليس معها رسوم ولا أشكال ، ثم أظهر الحق تعالى قبضة من نوره حسية معنوية ؛ إذ لا ظهور للمعنى إلا بالحس ، فقال لها : كونى محمدا ، فمن جهة حسها محصورة ، ومن جهة معناها لا نهاية لها ، متصلة ببحر المعاني الأزلي ، الذي برزت منه ، وما نسبتها من ذلك البحر من جهة حسها إلا كخردلة في الهواء . وقد أشار ابن الفارض إلى وصف هذه الخمرة الأزلية - وهو تفسير للعماء المذكور قبل - فقال : صفاء ولا ماء ، ولطف ولا هوا * ونور ولا نار ، وروح ولا جسم تقدّم كلّ الكائنات حديثها * قديما ولا شكل هناك ، ولا رسم وقامت بها الأشياء ثمّ لحكمة * بها احتجبت عن كلّ من لا له فهم فالأشكال والرسوم متفرعة من تلك القبضة المحمدية ، والقبضة متدفقة من بحر الجبروت الذي لا نهاية له ، فهي منه حقيقة ، وما ظهر تحديدها إلا من جهة حسها . فهي كثلجة في بحر ، ماؤها الباطني متصل في البحر ، وظاهرها محدود محصور . فالأشكال كلها غريقة في بحر الجبروت ، ولذلك قال صاحب العينية « 1 » : هو العرش والكرسىّ والمنظر البهي * هو السّدرة التي إليها المراجع وقال أيضا : هو الموجد الأشياء وهو وجودها * وعين ذوات الكلّ وهو الجوامع فأوصافه والاسم والأثر الذي * هو الكون عين الذّات واللّه جامع فالأكوان ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته ، فالحق تعالى كما كان لا شئ معه ، فهو الآن كما كان . إذ التغير في حقه تعالى محال ، ولا يعلم هذه الأسرار إلا من صحب أهل الأسرار ، وحسب من لم يصحبهم التسليم . كما رمزوا وأشاروا إليه : وإن لم تر الهلال فسلّم * لأناس رأوه بالأبصار وقوله تعالى : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي : ليظهر منكم من يقف مع الأكوان ، ومن ينفذ إلى شهود المكون . وهو الذي حسن عمله ، وارتفعت همته . ولئن قلت أيها العامي : إنكم تحيون بالمعرفة من بعد موت قلوبكم بالجهل والغفلة إن صحبتمونى ، ليقولن أهل الإنكار : إن هذا إلا سحر مبين .
--> ( 1 ) غفر اللّه له . ولولا الأمانة العلمية لحذفت هذه الأبيات .